المقالات

وباء ينتشر ونفوس تعتبر (5)

هممت أن أكمل سلسلة مقالاتي عن جائحة كورونا، وكنت في البدء قد خططت أن أسطر لمحة تاريخية عن بعض الجوائح التي ضربت البشرية على مر التاريخ؛ لأدلل على أن الله يبتلي الإنسان بالضراء كما يبتليه بالسراء، وأننا لا نخرج عن الدوران مع قدر الله وبقدر الله عز وجل، وأن الرضا لمن يرضى والسخط لمن سخِّط. وكنت قد خططت لأن أعرج على بعض الدروس التي يمكن أن نستشفها من هذه الجائحة، فكما ورد في الأثر أن السعيد من وعظ بغيره؛ بيد أن الكتابة ساقتني، والخواطر والأفكار أخرجتني قليلًا عما كنت قد رسمت لتلك السلسة، غير أنني لن أزيد عن هذا المقال الخامس والأخير في حديثي مع تلك الجائحة، محاولًا استكمال ما أردته من هذه السلسلة، فأقف معها وقفات، سائلًا الله أن يكون من وراء القصد وأن يهديني السبيل.
الوقفة الأولى:
أن هذه الأوبئة جند من جند الله لا تراها العين المجردة، إن ضيقنا على عقولنا الأفق وحصرنا فكرنا كله في مساوئ الحدث؛ فهو الفيروس الذي لا يمكن السيطرة عليه، لا تُضاهيه أقوى أمراض الإنسانية وأقساها، فهو لا يُصيب الأجساد فيُضعفها ويُهددها بالفناء، كما يُصيب النفس والوعي، لا ترصده أجهزة استشعار، ولا توقفه بوابات، ولا ترهبه حراسات، ولا تمنعه حدود، ولا تعيقه موانع ولا مسافات، وعلى الرغم من صغره وضعفه، يوهن ويهلك، ويصيب ويقتل، يقتنص ما يود اقتناصه من أرواح، وينهش ما يود نهشه من أجساد، لا يفرق بين غني أو فقير، يصيب المسلم كما يمرض الكافر، ويوقع المؤمن كما يطعن الملحد، ويأتي الطائع كما يضرب العاصي، فليس هو كائنًا نورانيًا يشع بالإيمان، ينتقي للقتل الكفار ويترأف بالمسلمين؛ وعلى الرغم من ذلك فالمؤمن يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه إن أصيب فصبر فهو مأجور.
لقد أُربك العالمُ بأثره جراء كائن لا تراه العين المجردة، اهتز العالم بما فيه من تقدم تقني، وثروة معرفية هائلة، ومعدات تستطيع أن ترى ما لا تراه عيون، فهل يكون ذلك درسًا للبشرية لتقدر الله حق قدره، فتعدل ولا تظلم، وتعود إلى من بيده ملكوت كل شيء، وتدرك أن الله لا يبتلي ليعذب؛ بل لنعود إليه كما ابتلى إبراهيم بكلمات فرضي عنه، ورفع قدره وجعله إمامًا للناس، ويُضيق علينا ليسمع نداءاتنا كما سمع نداء يونس في الظلمات فتاب عليه، ويرسل جنده ليوقظ غفلة حلت، أو جفوة حدثت، أو يحيي موات قلوب أماتتها استدامة النعمة، واستغراقها في الرفاهة. ويحضرني قول الشاعر:
ما باله يتخفّى وهو ينتشرُ
فما نراه ولكنْ يظهر الأثَرُ؟!
قالوا صغيرٌ فما نَسْطِيعُ رؤيتَه
ما بالُهم من صغيرٍ واهِنٍ ذُعروا؟
الوقفة الثانية:
هي تعامل حكومتنا الرشيدة مع تلك الجائحة، ذاك التعامل الذي أبهر القاصي والداني، ولن أمل من تكرار تذكري الفخور بتعامل حكومة مملكة الخير مع تلك الجائحة، وتحمل لنا الأخبار طرق تعامل حكومات العالم مع تلك الجائحة، فإذ بك تستقرئ الفرق الواضح بين تعامل دولتنا النابع من ثقافة حضارة دين جعل من حفظ النفس مقصدًا من مقاصد تشريعه، وتعامل دول كم صك أذاننا تشدقها بحقوق الإنسان سابقًا، وكم أرهق أسماعنا صراخها بادعاء الدفاع عن الإنسانية؛ وإذ بنا نسمع لأعلى قمم القيادة فيها – دون حمرة خجل – وهو يصرح أن كبار السن لا حق لهم في علاج، أو ربما تنقل لنا الأخبار صور جثث في الطرقات قتلهم الفيروس، أو عزوف عن دفن مصابين خوفًا من الإصابة، أو تطير لنا الأنباء نفاد ما يقتاته الناس من الأسواق، أو على أقل تقدير غلاء في الأسعار يشتعل فيعجز الفقير عن شراء قوته؛ فتجد دولتنا تتعامل مع الإنسان باعتباره إنسان، دون نظر لجنسيته أو وضعه القانوني، فارتضت دولتنا الأخذ بقاعدة أن الدواء لا يمنع عن محتاجه مهما كان، ما دام يعيش على أرض مملكة الخير. ولقد ألزمت حكومتنا نفسها بالشفافية في توفير المعلومات الصحيحة لكل ما يتعلق بتلك الجائحة؛ من إصابات وأماكن وتفصيل كل خبر، وإعلان كل حدث، شفافية افتقدتها دول كبيرة كم تشدقت بالشفافية، وكم نظرت لحق الإنسان في المعلومة، ولما جد الجد لم تكن إلا شعارات لا وجود لها على أرض الواقع ولا أثر لها مع تلك الجائحة، غير أن مملكتنا قالت وفعلت، وصرحت فصدقت إنها بحق تجربة تجعل كل سعودي يفخر بدولته التي بذلت كل ما في وسعها لحفظ أنفس رعيتها بل وأنفس كل من يعيش على أرضها لا تفرق بين دين ولا جنسية ولا عمر؛ فالإنسان باعتباره إنسانًا هو المنوط بالرعاية، والمقصود بالخدمة والوقاية. ولن تمضي أيام بعد انقشاع هذه الغمة حتى تصبح طريقة تعامل مملكة الخير مع تلك الجائحة درسًا يعلم، وفلسفةً تنظر في إعلاء قيمة الإنسانية، وحفظ حقوق الإنسان.
ولقد كان تفاعل المواطنين مع الحكومة في مواجهة تلك الجائحة قصص لن يغفلها التاريخ، ولن تنساها ذاكرة الوطن، هنا وهناك على مدار الوطن في شرقه وغربه وعلى امتداد شماله وسفوح جنوبه، ما بين متبرع بمستشفى كامل لمواجهة الجائحة، وآخر يتبرع بفندقه المؤسس، وأموال تنفق هنا وهناك، وتلاحم ملاك عقارات وتنازلهم عن حقوقهم لدى المستأجرين، وتفاني أصحاب أعمال في رعاية عمالهم، قصص ليست بالغريبة على مواطني مملكة الخير، وأبناء الجزيرة.
الوقفة الثالثة:
كم من مصيبة حلت لم توجه أنظارنا إلا لسلبيات الموقف ولم تلفتنا للجوانب الأخرى! لم نتوقف مع حقائق أكثر إدهاشًا متعجلين النظر والحكم على الصورة قبل أن تكتمل، وعلى اللوحة قبل أن تُلون، هي نظرة باهتة تُفقدها حقيقتها، فالنظر للحالة دون وعي يفقدها معناها، فجائحة كورونا ما هي إلا صفعة قوية لنعود لإنسانتينا من جديد، ونؤوب لخالقنا الودود، نُدرك قيمة النعم التي بين أيدينا، ونستدرك من نكون، فمعاني كثيرة تستتر خلف المشهد، تستحق أن نُلقي عليها نظرة، ونتفحصها بوعي.
لقد جاء وباء الكورونا ليوقظ فينا معاني لم نلمحها لاعتيادنا عليها، فمن مساوئ الاعتياد ألا تستشعر قيمة ما تعيشه وترفل فيه من نعم، فتأتي مواقف الحرمان، وأوقات الخوف لتوقظ في النفس استشعارًا لبعض تلك النعم، فيدركها من تستيقظ فيه الإنسانية.
لقد جاءت جائحة الكورونا لندرك قيمة الإنسان معنى الإنسانية، ذاك الإنسان الذي ميزه ربه بأعظم الخصال وخلقه في أحسن تقويم، ونستشعر معنى الصحة والعافية ونعمة أن تكون بصحة جيدة، وأن تستيقظ دونما فزع تناقل أخبار إحصاءات عالمية جديدة توحي لك بنهاية العالم، وأنت لا حول لك ولا قوة أمامها، فتهتم ويغتم البعض ويحاول آخرون الاختباء.
أدركنا نعمة مُلامسة الأنامل للأرض، وقيمة تنسم الهواء الطلق؛ دون تردد، وبلا كمامة، ومن غير خوف من تنسم وباء ينتشر. أدركنا قيمة طبيعة بلادنا الجميلة التي حُرمنا التمتع بها بسبب الإجراءات الاحترازية. استشعرنا قيمة تلاحمنا، ومعنى تراحمنا، وفطنا لمعاني التصافح -الذي حرمتنا منه تلك الجائحة- الذي تتساقط به ذنوب المتصافحين كما ورد فيما رواه أبو أمامه الباهلي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – «إذا تصافحَ المُسلمانِ لَم تَفْرُقْ أكُفُّهُما حتَّى يُغْفَرَ لهُما».
ومن الحقائق التي لا خلافَ عليها أنَّ الأسرة عماد المجتمع، وقاعدة الحياة الإنسانية، فلا بد أن تؤسس على دعائم راسخة من الدِّين والخلق والترابُط الحميم، لتكون لبنة قوية في بنيان الأمة، وخلية حية في جسم المجتمع، وقد أكدت جائحة كورونا فينا معاني كانت غائبة عن بعض البيوت؛ منها أن الأسرة هي الحضن الدَّافئ والملجأ الأمين لكل فرد من أفرادها، فينبغي أن نستشعر أن أبناءنا وأزواجنا ليس عليهم أن يدفعوا ضريبة عدم اعتيادنا على الجلوس لوقت طويل بينهم، بحيث نخرج فيهم ضيقنا وقلة صبرنا وشعورنا بالحرمان من أنشطة اليوم التي اعتدتنا عليها؛ بل واجب الوقت أن نكون داعمين لهم نفسيًّا في هذه الأيام التي يحيط بالناس فيها جو ثقيل من القلق والغموض، وهذا الدعم هو جزء لا يتجزأ من قوامة رب البيت وحسن رعايته، ولا بد أن نستغل تلك الأيام في تجديد شعورنا بقيمة الأسرة، وفي الاقتراب من كل فرد فيها، وفي التمتع بوجودنا معًا تحت سقف واحد، وفي السرور بأبسط النشاطات التي يقومون بها، ولو أن يُلقي إليك أحدهم ابتسامةً عابرة عند اصطدام يديك بيديه في إناء الطعام؛ حتى تنزاح تلك الغمة، وترفع هذه البلية، فحين يجيء صباح العافية، تلهج ألسنة حالهم قبل ألسنة مقالهم وهم ينظرون إليك نظرة حب أسري شاكرين الظروف التي متَّعتهم بوجودك بينهم.
أدركنا مع وباء الكورونا أن الصلة مع الله هي المكسب الأكبر لنا من هذه المرحلة؛ فنتضرع إلى الله ليُزيح البلاء، ويكشف الهم، ويرفع الضيق، ويزيل الغم، يرتفع دعاء نابع من روح أيقنت أنه لا يصيبها إلا ما كتبه الله، ولا يرفع البلية إلا الله. واقع تخبرنا أحداثه المتتابعة المتلاحقة التي لا تهدأ لحظة ولا تمن علينا بأن تتوقف فتمنحنا استراحة بسيطة مما نعاصره من أزمات، فتتضرع الأرواح قبل الألسن بالدعاء من قلوب مُطمئنة، تفيض بالرضا، وتتذوق معاني الإيمان.
الوقفة الأخيرة:
لن تكون جائحة كورونا درسًا لمن لا يعتبرها، فالعالم بأثره بعدها ليس هو الذي كان قبلها؛ والإنسان أولى أن يعتبر؛ فليكن لنا منها الدرس والعبرة، نتعلم منها ونستفيد، نستقي العبر، ونغير من سلبيات أظهرت عوارها، وعادات أبانت سوءاتها، وممارسات أوضحت خطأها، وإهمال حقوق أسرية ومجتمعية غفلنا عنها أشعرتنا بها تلك الجائحة، ونعم كثيرة نرفل فيها لم نؤدي شكرها على الوجه الذي ينبغي، وقبل هذا وطن نحيا فيه ويحيا في قلوبنا نحن ملء السمع والبصر لقيادته، وحفظ حياتنا هو شاغلهم، ورعاية مصالحنا هي همهم، وتوفير الرفاهة لنا هو وظيفتهم.
نسأل الله أن يرفع عن بلادنا وسائر الإنسانية تلك الغمة، وأن يبارك لنا في قيادتنا الرشيدة، ويحفظ مليكنا الرحيم وولي عهده الأمين.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل..