الأمير نواف بن عبدالعزيز .. مستشار الملوك

كتبه: محمد حلوان الشراري
تفضل الدكتور : فايز البدراني وأهداني كتاباً من تأليفه بعنوان (مستشار الملوك صاحب السمو الملكي الأمير: نواف بن عبدالعزيز آل سعود (1351-1436/1932-2015م)) وهو من كتب السير الغيرية القيّمة التي وفق المؤلف في سبر أغوارها على الرغم من قلّة المصادر للمترجم له. يقع الكتاب في (340) صفحة تحدث فيه المؤلف عن السيرة الذاتية للأمير الراحل: نواف بن عبدالعزيز آل سعود مستعرضاً انجازاته والمناصب التي تقلدها، مدعوماً بالصور المعُبرة عن كل مرحلة من تلك المراحل. واشار المؤلف في مقدمة الكتاب بأن( سير النابهين صفحات مضيئة من صفحات التاريخ، تنقل تجاربهم، وترصد عطاءاتهم، وتُعرف الأجيال الحاضرة واللاحقة بعظيم أعمالهم، وجميل خصالهم، وتخلّد للأحفاد أخبارهم وإنجازاتهم…) واحتوى الكتاب على عدة موضوعات تحكي كلٍ منها مرحلة من مراحل الحياة العلمية والعملية للأمير نواف فتحدث في (مولد أمة) أن عام 1351هـ/1932م لم يكن يوماً عادياً كسالف الأيام التي مرّت قبل هذا حيث أتت البشارة للملك المؤسس بقدوم أحد أبناؤه الذي اختار له اسم(نواف) ولحسن الحظ أن مولده كان يصادف يوم تأسيس البلاد. ألتحق الأمير: نواف بمقاعد الدراسة في سن مبكرة من العمر بمدرسة الأمراء في مكة المكرمة ثم انتقل إلى الرياض ودرس على يد خيرة الأساتذة والمربين المكلفين بتعليم انجال الملك عبدالعزيز فختم خلالها القرآن قراءة وتجويد وأنهى المرحلة الابتدائية عام 1363هـ /1944م فأقامت المدرسة له احتفالاً بهيجاً على شرف ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز. وكان الملك عبدالعزيز حريصاً على حسن تربية أنجاله تربية دينية إلى جانب أنه نمّى فيهم روح الرجولة والبساطة والاهتمام بتحصيلهم الدراسي، فيسألهم في العلوم التي درسوها صغاراً وكباراً ، ويطلب من أحدهم أن يُلقي عليه من محفوظاته شيئاً على هيئة الخطابة. كان الملك عبدالعزيز يمتلك حسّاً تربوياً مميز واعتاد أن يصطحب أنجاله في حلّه وترحاله وكان الأمير: نواف ضمن الموكب الملكي المغادر من جدة في 6 صفر 1364هـ ليكون ضمن فريق استقبال زعيم مصر جلالة الملك الفاروق والوفد المرافق له في جبل رضوى قرب بلدة ينبع على الساحل الغربي ومن هنا بدأ الأمير الشاب يشارك مع والده في سن مبكرة في العديد من الزيارات الملكية حيث تمكن من الالتقاء بالزعماء والملوك، ولحرص الملك على تهيأته وأخوته للعمل وتحمّل المسئولية فقد وجد الأمير: نواف نفسه ضمن أعضاء وفد المملكة تحت رئاسة الأمير: فيصل بن عبدالعزيز إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتوقيع ميثاق هيئة الأمم المتحدة عام 1364هـ/1945م وحظي الأمير الشاب باحتفاء خاص حين لفت انتباه الأمريكيين لكياسته ولباقته رغم صغر سنة، فكان كل ذلك مؤشراً لنبوغه وتميزة، فعيُّن في عام 1370هـ/1950م في أول مهمة رسمية كأميراً على إدارة القصور الملكية ورئيساً للحرس الملكي. وكان الأمير نواف يؤدي الأعمال المناطه به على أكمل وجه فنال الاحترام والتقدير والمحبة من مرؤوسيه فكسب ثقة قيادته لكفاءته وحرصة على تطوير العمل فمُنح ترقية عسكرية لرتبة فريق عام 1371هـ مارس 1952م . ولا شك أن العمل في هذا المجال جعله قريباً من القيادة العليا مما اكسبه خبرة ومعرفة سياسية، واسندت له مهام دبلوماسية فأرسل على رأس وفد شرفي إلى لبنان ممثلاً لجلالة الملك المعظّم لتقديم مراسم التهنئة للشيخ: كميل شمعون بمناسبة توليه رئاسة الجمهورية اللبنانية. تأثر الأمير: نواف برحيل والده الملك المؤسس: عبدالعزيز الذي ترك أثراً نفسياً وفراغاً قيادياً في حياته، ليبتعد عن العمل الرسمي ويتفرغ لأموره الخاصة ثم السفر إلى سان فرانسيسكو لإكمال دراسته فالتحق بمدرسة دروو سكول ثم انتقل إلى جامعة ستان فورت في منطقة بلو والتو وشرع في دراسة اللغة الإنجليزية لكن الظروف كانت أقوى من الطموح فقطع دراسته وعاد عندما توّجب عليه البقاء بين الأسرة الحاكمة، لكنه لم يتوقف عن التعليم فأكمل المشوار التعليمي في الوطن بعد أن استقدم عدداً من الأساتذه في مختلف التخصصات لأجل ذلك. وفي عالم التجارة والأعمال فقد كان الأمير: نواف ذكياً حذقاً دل على ذلك قدرته في اختيار المشاريع التي توائم احتياجات الوطن في المراحل الأولى من النهضة الاقتصادية والتجارية فحقق انجازات باهرة في ميدان العمل الاستثماري والتجاري فأسس أو شارك في تأسيس العديد من الشركات الناجحة ، وطرح الأفكار الاقتصادية البناءة، مع العلم أنه لم يبتعد عن جو الأسره الحاكمة وعن متابعة الشأن السياسي الداخلي، فعندما تعرضت البلاد في أواخر سبعينيات القرن الهجري إلى هزات اقتصادية وسياسية كان نِعم السند لأخية جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز. وفي عام 1380هـ عُيّن رئيساً للديوان الملكي ثم وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني في العام الذي يليه خلفاً لأخيه الأمير: طلال ، لكنه لم يستمر حيث تقدم بطلب الإعفاء بعد أن قام بنجاح بمعالجة الصعوبات الاقتصادية والمالية، واتخذ لنفسه استراحة محارب فابتعد عن العمل الرسمي لبضع سنوات حتى عيّنه الملك فيصل مستشاراً خاصاً لجلالته في عام 1387هـ وساعده الأيمن وأمين سره ومرافقه في استقبالاته ورحلاته ولقاءاته بالزعماء والمسؤولين . مرة أخرى يعيد التاريخ نفسه ويفج الأمير: نواف بن عبدالعزيز باستشهاد أخيه الملك فيصل كما فجع بوفاة والده الملك المؤسس فاستأذن من أخيه جلالة الملك خالد وابتعد عن العمل الرسمي . أما في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز فقد عاد الأمير نواف إلى العمل السياسي حين عيّنه الملك مستشاراً خاصاً له ثم رئيساً للاستخبارات العامة حتى عام 1426هـ /2005م حين عيّنه الملك عبدالله مستشاراً خاصاً له ، ثم عضواً في هيئة البيعة حتى طلب الإعفاء لظروفه الصحية. وفي عام 1436هـ تولى خادم الحرمين الشريفين الملك: سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم وابقى سموه مستشاراً خاصاً له حتى وفاته في 16/12/1436هـ . وفي ملاحق الكتاب رصد المؤلف بعض أقوال الأمير نواف وكتاباته ومقابلاته الصحفية والمتلفزة والحديث عن ذاكرته التاريخية، والأمير نواف في عيون معاصرية مما قيل فيه نثراً وشعراً وختم بـ (من وحي الكتاب ملامح وانجازات). اجتهد المؤلف في هذا الكتاب في رصد سيرة الأمير الراحل ومحطات مهمة من حياته، ليضيف للمكتبة الثقافية والتاريخية سيرة رجل دولة لعب دوراً مهماً في كثير من المواقف فكان بحق(مستشار الملوك) حين عمل مستشاراً لجميع الملوك الذين أدركهم من أبناء الملك عبدالعزيز .