المقالات

فتح مكة : يوم الرحمة والعفو العظيم !!

في مثل هذا اليوم 20 رمضان من العام الثامن للهجرة سطر التاريخ صفحة مشرقة من صفحات الإسلام .. يوم دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً بعد سنوات من الصبر والجهاد دون قتال أو سفك للدماء في موقف يعكس عظمة الإسلام ورسالته القائمة على الرحمة والعفو .. حينها قال النبي لأهل مكة الذين آذوه وأخرجوه منها : اذهبوا فأنتم الطلقاء .. لتكون كلماته درساً خالداً في التسامح والعدل !

بعد أن نقضت قريش عهدها مع المسلمين وتحالفت مع بني بكر ضد خزاعة حليفة المسلمين قرر النبي صلى الله عليه وسلم التحرك لاستعادة مكة دون إراقة دماء .. جمع جيشاً قوامه عشرة آلاف مقاتل وسار به نحو مكة حيث دخلها بأمان دون مقاومة تذكر باستثناء اشتباك بسيط سرعان ما انتهى !!

عندما وقف النبي صلى الله عليه وسلم أمام أهل مكة الذين طالما حاربوه وعذبوا أصحابه لم يرفع سيفاً للانتقام .. بل قال كلمته العظيمة يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم ؟! فقالوا : أخٌ كريم وابن أخٍ كريم .. فقال لهم : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء )
بهذه الكلمات أسقط النبي مبدأ الثأر والانتقام الذي كان سائداً في الجاهلية وأرسى قيم العفو والتسامح مما جعل قلوب أهل مكة تلين وتسلم وكان ذلك من أعظم أسباب انتشار الإسلام بعدها !

حوار النبي ﷺ مع عثمان بن طلحة يوم فتح مكة: دروس في الوفاء والعفو

فتح مكة كان يوماً من أعظم أيام الإسلام حيث تجلت فيه رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وعفوه وصفحه حتى عن أعدائه .. ومن أبرز المواقف التي وقعت في ذلك اليوم حواره مع عثمان بن طلحة حامل مفتاح الكعبة والذي كان له موقف سابق مع النبي ﷺ في صدّه عن دخولها قبل الهجرة لكن عندما فتح الله مكة لم يكن رد فعل النبي سوى التسامح ورد الأمانة لأهلها في درس خالد عن الوفاء والعدل !!
عثمان بن طلحة كان من بني عبد الدار وهم سدنة الكعبة أي المسؤولون عن خدمتها وفتح بابها للحجاج والزوار .. وقبل الهجرة طلب النبي ﷺ الدخول إلى الكعبة لكن عثمان منعه بعناد فغضب النبي وقال له : يا عثمان لعلّك ترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث أشاء !!
فردّ عثمان مستهزئاً : لقد هلكت قريش يومئذ وذلّت !فقال النبي بكل ثقة : بل عمرت وعزّت !!

بعد سنوات من هذا الحوار دخل النبي مكة فاتحاً وأخذ الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة وأراد أن يسلمه للنبي ﷺ. وعندما جاء عثمان وهو في موقف ضعف وخوف خاطبه النبي بحلم قائلاً : يا عثمان هذا مفتاحك اليوم يوم برّ ووفاء ثم أعاد إليه المفتاح قائلاً : خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم .
أي أن بني عبد الدار سيظلون سدنة الكعبة إلى يوم القيامة .

عظمة الإسلام في فتح مكة :
الرحمة والعفو : رغم قدرة المسلمين على الانتقام اختار النبي الصفح فدخل الناس في دين الله أفواجاً !!
عدم فرض الإسلام بالقوة : لم يجبر النبي أحداً على اعتناق الإسلام بل دعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة !
إزالة مظاهر الشرك : بعد الفتح قام النبي بتطهير الكعبة من الأصنام معلناً التوحيد الخالص لله !!

فتح مكة كان لحظة تاريخية عظيمة ليس فقط من حيث القوة والانتصار بل لأنه جسّد القيم الحقيقية للإسلام : التسامح والعفو والعدل .. وهكذا، صنع النبي صلى الله عليه وسلم نصراً ليس بالسيوف بل بالقلوب التي انقادت لرسالته العظيمة ليكون درساً خالداً لكل البشرية .

فيصل خزيم العنزي
الكويت