المقالات

حاضرون رغم الغياب

 

حلت علينا العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، حاملةً معها نفحات إيمانية وأجواء روحانية تجمع القلوب، لكنها في الوقت ذاته توقظ فينا مشاعر الشوق لمن غيّبهم الموت عن موائدنا ومجالسنا. يكاد لا يخلو منزل أو حي أو قرية من فقدان عزيز، فتظل أماكنهم محفورة في الذاكرة، وذكرياتهم حاضرة في تفاصيل حياتنا، خاصةً عند الإفطار في شهر رمضان المبارك ، حيث نتلفت على سفرة الطعام بحثًا عنهم بين الجالسين، فنجد مقاعدهم فارغة، لكن أرواحهم تملأ المكان.

ومع هذا الشوق، يبقى الوفاء لهم واجبًا لا ينقطع، وأجمل صوره أن نجعل لهم أثرًا مستمرًا في حياتنا، فلا يكون غيابهم مجرد فراغ نحزن عليه، بل دافعًا لعمل الخير عنهم. فكما كانوا في حياتهم مصدر خير وسعادة لمن حولهم، يمكننا أن نُكمل هذا العطاء باسمهم، سواء بالتصدق عنهم عبر المنصات الرسمية الموثوقة، أو بإيصال المساعدة مباشرةً إلى الأسر المحتاجة، وخاصةً التي كانوا يهتمون بها في حياتهم.

وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى فضل الصدقة عن الأموات، إذ جاءه رجل يسأله: “يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها (ماتت فجأة)، وأظنها لو تكلّمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟” فقال: “نعم، تصدق عنها.” فهذا الشهر المبارك فرصة عظيمة لنُهديهم صدقةً تجلب لهم الرحمة والمغفرة، وتسهم في تفريج كربة محتاج أو إسعاد فقير.

ولا يقتصر الوفاء لهم على الصدقة فحسب، بل يشمل الدعاء لهم في مواطن الإجابة، والاستغفار لهم، وصلة أرحامهم، وإحياء ذكراهم بذكر محاسنهم، وتعليم أبنائنا القيم التي غرسوها فينا. فبذلك يكونون “حاضرين رغم الغياب”، يعيشون في أعمال الخير التي نقوم بها باسمهم، ويبقى أثرهم ممتدًا في حياتنا وحياة من حولنا.

رحم الله من فقدنا، وجمعنا بهم في مستقر رحمته، وأعاننا على أن نكون أوفياء لهم بأفعال تبقى شاهدةً على محبتنا لهم بعد رحيلهم.

✍️ كتبه منور بن خليفة الطويلعي